فخر الدين الرازي

39

تفسير الرازي

الفحل ، لمنعه صاحبه من الهلاك ، والحصان بالفتح المرأة العفيفة لمنعها فرجها من الفساد ، قال تعالى : * ( ومريم بنت عمران التي أحصنت فرجها ) * ( التحريم : 12 ) . واعلم أن لفظ الاحصان جاء في القرآن على وجوه : أحدها : الحرية كما في قوله تعالى : * ( والذين يرمون المحصنات ) * ( النور : 4 ) يعني الحرائر ، ألا ترى أنه لو قذف غير حر لم يجلد ثمانين ، وكذلك قوله : * ( فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ) * يعني الحرائر ، وكذلك قوله : * ( محصنات غير مسافحات ) * ( النساء : 25 ) وقوله : * ( محصنين غير مسافحين ) * وقوله : * ( والتي أحصنت فرجها ) * ( الأنبياء : 91 ) أي أعفته ، وثالثها الاسلام : من ذلك قوله : * ( فإذا أحصن ) * قيل في تفسيره : إذا أسلمن ، ورابعها : كون المرأة ذات زوج يقال : امرأة محصنة إذا كانت ذات زوج ، وقوله : * ( والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ) * يعني ذوات الأزواج ، والدليل على أن المراد ذلك أنه تعالى عطف المحصنات على المحرمات ، فلا بد وأن يكون الاحصان سببا للحرمة ، ومعلوم أن الحرية والعفاف والاسلام لا تأثير له في ذلك ، فوجب أن يكون المراد منه المزوجة ، لأن كون المرأة ذات زوج له تأثير في كونها محرمة على الغير . واعلم أن الوجوه الأربعة مشتركة في المعنى الأصلي اللغوي ، وهو المنع ، وذلك لأنا ذكرنا أن الاحصان عبارة عن المنع ، فالحرية سبب لتحصين الانسان من نفاذ حكم الغير فيه ، والعفة أيضا مانعة للانسان عن الشروع فيما لا ينبغي ، وكذلك الاسلام مانع من كثير مما تدعو إليه النفس والشهوة ، والزوج أيضا مانع للزوجة من كثير من الأمور ، والزوجة مانعة للزوج من الوقوع في الزنا ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : " من تزوج فقد حصن ثلثي دينه " فثبت أن المرجع بكل هذه الوجوه إلى ذلك المعنى اللغوي والله أعلم . المسألة الثانية : قال الواحدي : اختلف القراء في * ( المحصنات ) * فقرؤا بكسر الصاد وفتحها في جميع القرآن إلا التي في هذه الآية فإنهم أجمعوا على الفتح فيها ، فمن قرأ بالكسر جعل الفعل لهن يعني : أسلمن واخترن العفاف ، وتزوجن وأحسن أنفسهن بسبب هذه الأمور . ومن قرأ بالفتح جعل الفعل لغيرهن ، يعني أحصنهن أزواجهن والله أعلم . المسألة الثالثة : قال الشافعي رحمة الله عليه : الثيب الذمي إذا زنى يرجم ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : لا يرجم . حجة الشافعي أنه حصل الزنا مع الاحصان وذلك علة لإباحة الدم ، فوجب أن يثبت إباحة الدم ، وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون ذلك بطريق الرجم . أما قولنا : حصل الزنا مع الاحصان ، فهذا يعتمد اثبات قيدين : أحدهما : حصول الزنا ولا شك فيه . الثاني :